ابن بطلان ( ابن عبدون )
33
دعوة الأطباء
لنا ، فأني لا آمن ان ينقاد بزمام الهوى إلى مناخ الشهوة فيقع من هذه المضيرة في امراض صبعة ، فرفعت . وقدمت ارزة بلبن قد عملت تحت الحمل فتصورت انه لا شي ، يرجى بعدها فدعت الضرورة إلى الشبع منها . فحين رآني سمعنا وعلى اكلها مقبلا تبين الغضب في وجهه فأوما إلى الغلام برفع الطبق فظن الغلام انه يستدعي منه الحلواء فقدم جاما فيه فالوذج « 59 » صنيغ اللون محكم العفد فازداد غضبه وكاد يملأ الجام بتسكاب دموعه وقال أعوذ باللّه من سوء ما جرت به المقادير ، اعلم يا سيدي انه ليس الآمر بالخبر بأسعد من المطيع له ، ولا الناصح أولى بالنصبحة من المنصوح له . فاسمع نصيحتي واعلم أن الحلواء مضرة بالأسنان مبثرة « 60 » للفم واللسان لا سيما إذا اتبعت بالماء البارد . فان المأمون شكى وجع أسنانه إلى طبيبه جبريل « 61 » ، فقال له : يا أمير المؤمنين امتنع عن الماء البارد بعد الرطب « 62 » والسكر . فقال : ويحك يا جبريل ، لولاها لما أردتك ! واي لذة تبقى للّسان إذا امتنع الانسان من الماء البارد والحاواء . وخالف جبريل في ما وصف ، فكان من استانه ما قد عرف . وانا استزنك عن هذا الجام فان العاقل لا يؤثر اللذة على الصحة ، فعرفني على ما ذا عزمت ؟ قلت : على الاكل والاتكال على اللّه ؟ فقال : كأنك ان تركت الحلواء الا تنكل على اللّه ! ثم قال : اعلم أن الطبيب واسطه بين اللّه والمريض ، والوسط فيه ما في الطرفين ، ففيه من صفات
--> ( 59 ) الفالوذح : صنف من الحلوى يصنع من النشا والسكر أو العسل مع اللوز ويترك على نار هادئة ولينا حتى يشتد قليلا ويؤكل بعد الطعام . والجام هو الاناء المصنوع من الزجاج . ( 60 ) مبثرة : اي مسببة للبثور في الفم واللسان . ( 61 ) جبريل : هو جبرائيل بن بختشيوع طبيب الرشيد والأمين والمأمون . قال مكانة مرموقة عندهم وحصل على ثروة هائلة من مهنته . له عدد من المؤلفات في الطب . ( 62 ) الرطب هو التمر في أول نصوجة .